سيد محمد طنطاوي
102
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
جاحدين للنبوة رأسا ، كذبوا نوحا لأنه من جملة الرسل . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ ) * بيان لما كانوا عليه من انطماس بصيرة ، ومن سوء خلق . . أي : أنهم لم يكتفوا بتكذيب نبيهم ومرشدهم وهاديهم إلى الخير . بل أضافوا إلى ذلك وصفه بالجنون ، والاعتداء عليه بأنواع الأذى والترهيب . فقوله : * ( وازْدُجِرَ ) * معطوف على قوله * ( قالُوا ) * وهو مأخوذ من الزجر بمعنى المنع والتخويف ، وصيغة الافتعال للمبالغة في زجره وإيذائه . وقد حكى القرآن في آيات أخرى ألوانا من هذا الزجر والإيذاء ومن ذلك قوله - تعالى - كما حكى عنهم : قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَه يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ . ثم حكى - سبحانه - ما فعله نوح - عليه السلام - بعد أن صبر على إيذاء قومه فقال : * ( فَدَعا رَبَّه أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ) * . أي : وبعد أن يئس نوح - عليه السلام - من إيمان قومه . . تضرع إلى ربه قائلا : يا رب إن قومي قد غلبوني بقوتهم وتمردهم . . . فانتصر لي منهم ، فأنت أقوى الأقوياء ، وأعظم نصير للمظلومين والمغلوبين على أمرهم من أمثالي . وحذف متعلق « فانتصر » للإيجاز . أي : فانتقم لي منهم . ولقد كانت نتيجة هذا الدعاء ، الإجابة السريعة ، كما يشعر بذلك التعبير بالفاء في قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ) * . أي : فأجبنا لنوح دعاءه ، ففتحنا أبواب السماء بماء كثير منهمر ، أي : منصب على الأرض بقوة وبكثرة وتتابع . يقال : همر فلان الماء يهمر - بكسر الميم وضمها - إذا صبه بكثرة . وقراءة الجمهور * ( فَفَتَحْنا ) * بتخفيف التاء ، وقرأ ابن عامر بتشديدها على المبالغة . قال الجمل : والمراد من الفتح والأبواب والسماء : حقائقها فإن للسماء أبوابا تفتح وتغلق . والباء في قوله : * ( بِماءٍ ) * للتعدية على المبالغة ، حيث جعل الماء كالآلة التي يفتح بها ، كما تقول : فتحت بالمفتاح . . « 2 » . وقوله : * ( وفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً . . . ) * معطوف على قوله : * ( فَفَتَحْنا ) * وتفجير الماء : إسالته بقوة وشدة وكثرة ، ومنه قوله - تعالى - : وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 37 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 243 .